التخطي إلى المحتوى
خصوصية شهر رمضان بالقرآن الكريم و أحوال الناس معه 

خصوصية شهر رمضان بالقرآن الكريم و أحوال الناس معه

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: “والناس في هذا أربع طبقات:

  • الأولى: أهل القرآن والإيمان، وهم أفضل الناس.
  • والثانية: من عدم القرآن والإيمان.
  • والثالثة: من أوتي قرآناً، ولم يؤتَ إيماناً.
  • والرابعة: من أوتي إيماناً، ولم يؤتَ قرآناً.

خصوصية شهر رمضان بالقرآن الكريم و أحوال الناس معه  .. شهر رمضان ليس شهر الصيام والقيام فحسب، ولكنه كذلك شهر القرآن، فله خصوصية بالقرآن، قال الله -عز وجل-: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185] فأُنزل القرآن الكريم جملة في هذا الشهر المبارك، وفي ليلة مباركة، وهي ليلة القدر، كما قال تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۝ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۝ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [القدر:1-4].

فالله -عز وجل- أنزل هذا القرآن، قيل: جملة واحدة، في مكان يسمى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك منجماً على قلب رسول الله -ﷺ-.
وقيل: ابتدأ نزول القرآن في ليلة القدر من رمضان، والقرآن كله يسمى قرآناً، والآية الواحدة تسمى قرآناً.
وقيل: ابتدأ نزول القرآن في هذا الشهر المبارك، وفي الليلة المباركة ليلة القدر، فالشهر له خصوصية بالقرآن.
وروى الشيخان من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: “كان النبي -ﷺ- يعارض جبريل القرآن كل ليلة في رمضان” [أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب أجود ما كان النبي -ﷺ- يكون في رمضان (3/ 26-1902) ومسلم في كتاب الفضائل، باب كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس بالخير من الريح المرسلة (4/ 1803-2308)].
فكان يعرض القرآن على جبريل -عليه السلام-، وعارضه القرآن مرتين في السنة الأخيرة من عمره -ﷺ-، وأسر إلى فاطمة الزهراء بحديث، فبكت -رضي الله عنها-، ثم أسر إليها بحديث آخر فضحكت، فلما سألت عائشة -رضي الله عنها- فاطمة الزهراء عما أسر به رسول الله -ﷺ- إليها، قالت: “ما كنتُ لأفشي سر رسول الله -ﷺ-، فلما لحق النبي -ﷺ- بالرفيق الأعلى، أخبرت بأن النبي -ﷺ- أخبرها بأن جبريل كان يعارضه القرآن مرة واحدة، وأنه في هذه السنة عارضه القرآن مرتين، وقال: ما أرى ذلك إلا لقرب أجلي، فبكت فاطمة -رضي الله عنها-، ثم أسر إليها بأنها أول أهله لحوقاً به، فضحكت -رضي الله عنها-، وتوفيت فاطمة الزهراء بعد رسول الله -ﷺ- بستة أشهر، فكانت أول أهله لحوقاً به.
فهذا الشهر له خصوصية بالقرآن.
كان الإمام مالك إذا دخل الشهر الكريم يترك الحديث، ومجالسة أهل العلم، ويقبل على قراءة القرآن من المصحف.
وكان سفيان الثوري يقول: إنما هو إطعام الطعام، وقراءة القرآن.
فينبغي على المسلم أن يتأسى برسول الله -ﷺ-، وأن يدارس القرآن من هو أحفظ له منه في هذا الشهر المبارك.
وكان من السلف من يختم القرآن كل عشرة أيام، ومنهم من يختم كل سبعة أيام، ومنهم من يختم في ثلاثة أيام، ورخص بعض العلماء في أن يختم القرآن في أقل من ثلاث في رمضان، لخصوصية هذا الشهر الكريم بالقرآن.
والقرآن جعله الله -عز وجل- هدى للمتقين، كما أخبر الله -عز وجل-.
والمؤمنون يزدادون إيماناً بسماع القرآن، ولا يزداد الذين في قلوبهم مرض إلا شكاً واضطراباً، كما قال الله -عز وجل-: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2].
فمقياس الإيمان الصحيح والصدق في الإيمان أن المسلم عندما يسمع القرآن يزداد إيماناً.
وكما قال الله -عز وجل-: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ۝ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:124-125].
فأهل الإيمان الذين في قلوبهم صدق وإيمان ومحبة وإخلاص لله -عز وجل- عندما يستمعون للقرآن يزدادون إيماناً، والذين في قلوبهم ريب وشكوك ونفاق لا يزدادون إلا شكاً واضطراباً، فهذا القرآن هدى للمتقين، والله -عز وجل- جعله شفاء لما في الصدور وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء:82].

أحوال الناس مع القرآن الكريم

 قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: “قوله: طعمها طيب، وريحها طيب قيل: خص صفة الإيمان بالطعم، وصفة التلاوة بالريح؛ لأن الإيمان ألزم للمؤمن من القرآن، إذا يمكن حصول الإيمان بدون القراءة، وكذلك الطعم ألزم للجوهر من الريح، فقد يذهب ريح الجوهر، ويبقى طعمه، ثم قيل: الحكمة في تخصيص الأترجة بالتمثيل دون غيرها من الفاكهة التي تجمع طيب الطعم والريح كالتفاحة؛ لأنه يتداوى بقشرها، وهو مفرح بالخاصية، ويستخرج من حبها دهن له منافع، وقيل: إن الجن لا تقرب البيت الذي فيه الأترج، فناسب أن يمثل به القرآن الذي لا تقربه الشياطين، وغلاف حبه أبيض، فيناسب قلب المؤمن، وفيها أيضاً من المزايا كبر جرمها، وحسن منظرها، وتفريح لونها، ولين ملمسها، وفي أكلها مع الالتذاذ طيب نكهة، ودباغ معدة، وجودة هضم، ولها منافع أخرى، مذكورة في المفردات.
ووقع في رواية شعبة عن قتادة: المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به وهي زيادة مفسرة للمراد، وأن التمثيل وقع بالذي يقرأ القرآن ولا يخالف ما اشتمل عليه من أمر ونهي، لا مطلق التلاوة، فإن قيل: لو كان كذلك لكثر التقسيم، كأن يقال: الذي يقرأ ويعمل، وعكسه، والذي يعمل ولا يقرأ، وعكسه، والأقسام الأربعة ممكنة في غير المنافق، وأما المنافق فليس له إلا قسمان فقط؛ لأنه لا اعتبار بعمله إذا كان نفاقه نفاق كفر، وكأنه الجواب عن ذلك أن الذي حذف من التمثيل قسمان: الذي يقرأ ولا يعمل، والذي لا يعمل ولا يقرأ، وهما شبيهان بحال المنافق، فيمكن تشبيه الأول بالريحانة، والثاني بالحنظلة، فاكتفي بذكر المنافق، والقسمان الآخران قد ذكرا.
قوله: ولا ريح فيها في رواية شعبة: لها.
قوله: ومثل الفاجر الذي يقرأ في رواية شعبة: ومثل المنافق في الموضعين.
قوله: ولا ريح لها في رواية شعبة: وريحها مر واستشكلت هذه الرواية من جهة: أن المرارة من أوصاف الطعوم، فكيف يُوصف بها الريح؟ وأجيب: بأن ريحها لما كان كريهاً استعير له وصف المرارة، وأطلق الزركشي هنا أن هذه الرواية وهمٌ، وأن الصواب ما في رواية هذا الباب ولا ريح لها ثم قال في كتاب الأطعمة لما جاء فيه ولا ريح لها: هذا أصوب من رواية الترمذي: طعمها مر، وريحها مر ثم ذكر توجيهها، وكأنه ما استحضر أنها في هذا الكتاب، وتكلم عليها، فلذلك نسبها للترمذي، وفي الحديث فضيلة حاملي القرآن، وضرب المثل للتقريب للفهم، وأن المقصود من تلاوة القرآن العمل بما دل عليه” [فتح الباري (11/ 81)].
قال رسول الله -ﷺ-: تعلموا القرآن، وسلوا الله به الجنة، قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة: رجل يباهي به، ورجل يستأكل به، ورجل يقرؤه لله [ابن نصر في قيام الليل (ص: 74) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (285)].
وروى ابن قتيبة في كتابه عيون الأخبار: حدثنا بكر بن خنيس، عن ضرار بن عمرو، عن الحسن، قال: “قُرَّاءُ القرآنِ ثلاثة: رجل اتخذه بضاعة ينقله من مصر إلى مصر، يطلب به ما عند الناس، وقوم حفظوا حروفه، وضيعوا حدوده، واستدروا به الولاة، واستطالوا به على أهل بلادهم، ورجل قرأ القرآن، فبدأ بما يعلم من دواء القرآن، فوضعه على داء قلبه، فسهر ليله، وهملت عيناه، وتسربلوا بالخشوع، وارتدوا الحزن، وركدوا في محاريبهم، وحثوا في برانسهم، فبهم يسقي الله الغيث، وينزل المطر، ويرفع البلاء، والله لهذا الضرب في حملة القرآن أقل من الكبريت الأحمر” [عيون الأخبار (2/ 148)].
وعن إياس بن عمر قال: أخذ علي بن أبي طالب بيدي، ثم قال: “إنك إن بقيت سيقرأ القرآن ثلاثة أصناف: فصنف لله، وصنف للجدال، وصنف للدنيا، ومن طلب أدرك” [سنن الدرامي (3329)].
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: “والناس في هذا أربع طبقات:
الأولى: أهل القرآن والإيمان، وهم أفضل الناس.
والثانية: من عدم القرآن والإيمان.
والثالثة: من أوتي قرآناً، ولم يؤتَ إيماناً.
والرابعة: من أوتي إيماناً، ولم يؤتَ قرآناً.
قالوا: فكما أن من أوتي إيماناً بلا قرآن أفضل ممن أوتي قرآناً بلا إيمان، فكذلك من أوتي تدبراً وفهماً في التلاوة، أفضل ممن أوتي كثرة قراءة وسرعتها بلا تدبر” [زاد المعاد (1/ 338، 339)].
وبعد فمن أي الأقسام نحن؟! وما هو حالنا مع كتاب الله؟!
نسأل الله أن يردنا إلى كتابه رداً جميلاً.

الناشر: محمد بن فتحي آل عبد العزيز والناشر: أحمد فريد

المصدر: من كتاب: فتح الرحمن في بيان هجر القرآن و كتاب: مجالس رمضان